الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

232

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى قوله : مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ غافر : 62 - 65 ] اتصال الأدلة بالمستدل عليه . والإشارة ب ذلِكُمُ إلى اسم الجلالة في قوله : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [ غافر : 61 ] . وعدل عن الضمير إلى اسم الإشارة لإفادة أنه تعالى معلوم متميز بأفعاله المنفرد بها بحيث إذا ذكرت أفعاله تميز عما سواه فصار كالمشاهد المشار إليه ، فكيف تلتبس إلهيته بإلهية مزعومة للأصنام فليست للذين أشركوا به شبهة تلبّس عليهم ما لا يفعل مثل فعله ، أي ذلكم ربكم لا غيره وفي اسم الإشارة هذا تعريض بغباوة المخاطبين الذين التبست عليهم حقيقة إلهيته . وقوله : اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أخبار أربعة عن اسم الإشارة ، ابتدئ فيها بالاسم الجامع لصفات الإلهية إجمالا ، وأردف ب رَبُّكُمْ أي الذي دبر خلق الناس وهيّأ لهم ما به قوام حياتهم . ولما كان في معنى الربوبية من معنى الخلق ما هو خلق خاص بالبشر بأنه خالق الأشياء كلها كما خلقهم ، وأردف بنفي الإلهية عن غيره فجاءت مضامين هذه الأخبار الأربعة مترتبة بطريقة الترقّي ، وكان رابعها نتيجة لها ، ثم فرع عليها استفهام تعجيبي من انصرافهم عن عبادته إلى جانب عبادة غيره مع وضوح فساد إعراضهم عن عبادته . و فَأَنَّى اسم استفهام عن الكيفية ، وأصله استفهام عن المكان فإذا جعلوا الحالة في معنى الجانب ومثار الشيء استفهموا ب ( أنّى ) عن الحالة ويشعر بذلك قوله تعالى : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ في سورة الأنعام [ 101 ] . و تُؤْفَكُونَ تصرفون ، وتقدم في قوله تعالى : قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ في سورة براءة [ 30 ] ، وبناؤه للمجهول لإجمال بسبب إعراضهم إذ سيبين بحاصل الجملة بعده . [ 63 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 63 ] كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 ) هذه الجملة معترضة بمنزلة التعليل لمضمون الجملة التي قبلها وهو التعجيب من انصرافهم عن عبادة ربهم خالقهم وخالق كل شيء فإن في تعليل ذلك ما يبين سبب التعجيب ، فجيء في جانب المأفوكين بالموصول لأن الصلة تومئ إلى وجه بناء الخبر وعلته ، أي أن استمرارهم على الجحد بآيات اللّه دون تأمل ولا تدبّر في معانيها ودلائلها يطبع نفوسهم على الانصراف عن العلم بوجوب الوحدانية له تعالى . فالإشارة بذلك إلى الإفك المأخوذ من فعل تُؤْفَكُونَ [ غافر : 62 ] أي مثل افككم ذلك يؤفك الذين كانوا بآيات اللّه يجحدون .